ملتقى دعوتنا

للتسجيل اضغط على الصورة


ملتقى دعوتنا


 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 خصائص المنهج الإسلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فداء
فريق الإدارة
فريق الإدارة


التكاليف مدير المنتدى
الأوسمة لا شيء
انثى

الولاية الولاية: 29- معسكر
عدد المساهمات: 1475
نقاط: 47176
السٌّمعَة: 16
تاريخ التسجيل: 17/09/2010
الموقع: دعوتنا حياتنا

مُساهمةموضوع: خصائص المنهج الإسلامي   السبت 22 يناير 2011 - 18:42

خصائص المنهج الإسلامي

بقلم: د. أمير بسام

يجتمع في المنهج الإسلامي خصائص لا توجد في غيره، وهي التي تجعله صالحًا في كلِّ مكانٍ لإصلاح أحوال الناس، وهذه الخصائص هي:

- التجرد عن الهوى والانحراف

- السلامة من النقص والخطأ

- الشمول والإحاطة

- التداخل بين التشريعات

- الواقعية والمرونة

- الربانية والتعبد به



أولاً: التجرد من الهوى والانحراف

إن الكمال لله وحده؛ ولذلك نجد الكمال في تشريعه، ولذلك نفى القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثه بهوى نفسه فقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾ (النجم)، وبذلك فالتشريع كامل لأنه من المتصف بالكمال ألا وهو الله تعالى، ولكن إذا كانت التشريعات من الناس فهي قطعًا ستكون تبعًا للأهواء ظاهرًا أو باطنًا، وفي هذا يقول تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ (المؤمنون: من الآية 71).



إن الفساد يأتي من تشريعات تسير وراء هوى الأفراد والجماعات؛ لتحقق مصلحةً معلنةً أو خفيةً لصالح فئة بعينها أو أمة بعينها؛ فيحدث الفساد والإفساد أو سيرًا وراء شهوة بعينها خفية أو جلية، انظر إلى تاريخ التشريعات والنظريات نجد فيها التناقض التام، فالاشتراكية تمنع عن الفرد أي تملك والرأسمالية تعطيه كلَّ الحرية فيما يملك، فأيهما صواب.. وقد ثبت خطأ كليهما.



ويُقال في هذا إن أصحاب النظريتين كل عبر عن هوى تملكه فأثَّر في تفكيره، فصاحب النظرية الشيوعية يحمل حقدًا على أصحاب الأموال لتجربةٍ مرَّ بها في صغره.. والآخر عكسه تمامًا.



وفي مصر قامت ثورة يوليو وأصدرت تشريعات أذلت أصحاب الأموال وناصرت العمال، وبعد عدة أعوام وصل أصحاب الأموال إلى سدة الحكم فأصدروا تشريعات ناصرت أصحاب الأموال على العمال.. وهذا فيما يُسمَّى بقانون العمل قديمًا وحديثًا... فأي الأمرين صحيح والحق أن كلاهما ناتج عن أهواء مشرعيها.



وقل مثل ذلك في علاقات الدول.. فاتفاقية التجارة العالمية المسماه بـ"الجات" إنما فُرضت لصالح الدول الغنية لتظل الدول الفقيرة سوقًا لمنتجاتها، ولتظل على فقرها.



وفي العلاقات السياسية قمة الهوى فيما يُسمَّى بمجلس الأمن والخمس دول الكبار وكيف أن واحدة منهن لها حق" الفيتو" فتلغى بذلك قرارات كل الدول.. وهكذا قمة الديكتاتورية تشرع بالديمقراطية ودليل ذلك "فيتو" أمريكا لصالح إسرائيل في كل عدوانها.



وفي التشريعات الاجتماعية قل أكثر من ذلك.. فالزوج إذا ضُبِطَ متلبسًا مع امرأة؛ فإن قال عشيقتي فهو حر غير مدان؛ وإن قال زوجتى الثانية؛ فهو قد خالف القانون ووضع نفسه بين يدي السجان.



وأكثر من ذلك في القوانين التي تُبيح الشذوذ وتُقنن اللواط والسحاق بل وتُجرِّم مَن يُحرِّم هذه الفواحش.



وتوجهت المنظمات الحقوقية العالمية بالعتاب على مصر، وحضر ممثلون لها محاكمة مجموعة من الشواذ، وقالوا إن مصر ضد الحريات الشخصية، ولم يتحرك أحد ويحضر محاكمات الإخوان المسلمين وهم يحاكمون أمام محاكم عسكريه رغم أنه مخالف لكل الأعراف الدولية لأنهم مدنيون!!. إنه الهوى...!!!



ولكن الإسلام من عند الله، وصفه القرآن ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم: من الآية 30) أي النظام القويم السليم المُبرَّأ من الهوى.. إنه الإسلام الكامل لأنه من صاحب الكمال ألا هو الله تعالى:

ثانيًا: السلامة من النقص والخطأ

قد يرى البعض أن التشريعات البشرية إنما هي اجتهادات لمصلحة الناس، ولا بد أن نفرق بين اجتهادات تخص تشريعات محدودة توافق الزمان والمكان، والتي عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وبين النظريات العامة التي تحكم العلاقات وتضع الضوابط وتحدد الثوابت؛ هذه التشريعات لا بد أن تصدر عن العليم بأحوال الإنسان والحياة ونوازع النفس ومواطن الخير والشر؛ لذلك قال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ (الأعراف: من الآية 54) فلأنه خلق فهو يعلم ما يصلح الناس لذلك هو الذي يُشرِّع الأوامر والزواجر ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)﴾ (الملك).



ولذلك نجد التشريعات البشرية دائمًا يعتريها النقص وتتعرض للتعديل والتبديل مرات عديدة، إن مصر بها تشريعات وقوانين تصل إلى خمسين ألف تشريع حتى إن بعضها يناقض البعض، ويستفيد المهرة من المحامين من هذه المتناقضات في تبرئة المتهمين حتى لو ثبت خطأهم.



خذ مثلاً العلاقة بين المالك والمستأجر وكيف شرعت لها قوانين حولت المستأجر إلى مالكٍ حقيقي يتسول منه المالك حقه ثم ما لبث أن عاد التشريع ليثبت للمالك حقه، ولكن هناك قانون للأراضي الزراعية وآخر للعقارات، والأمر أصبح معقدًا لتغير الظروف والأوضاع.. كل ذلك لأن التشريع خرج عن ضوابط الإسلام في قواعد الإجارة والتملك.



ثالثًا: الشمول والإحاطة

لقد جاء التشريع الإسلامي متكاملاً فهناك تشريعات اجتماعية تضبط علاقات الأسرة والمجتمع، وهناك تشريعات مالية تضبط الاقتصاد ودورة المال وهناك تشريعات تعبدية تُوضِّح الشعائر والنسك، وهناك تشريعات جنائية تُوضِّح أحكام الحدود والقصاص، وهناك تشريعات مدنية كالميراث، وأخرى دولية في علاقات الدول والمعاهدات.



وهذه التشريعات تجمع بين الدنيا والآخرة، وتجمع بين وازع الإيمان ورقابة الحكام؛ ولذلك فإن كل تشريع إصلاحي إذا اقتصر على جانبٍ دون الآخر فإنه حتمًا لن يحقق المرجو منه.



لقد عانت الشعوب من الاستبداد وتسلُّط الحكام فلجأوا إلى تشريع الديمقراطية بآلياتها المعروفة، ولكن لأن الديمقراطية لم يكن لها سياج أخلاقي يحميها من الانحراف، تحولت إلى استبداد مجموعات بدلاً من أفراد، وصارت مجموعات الضغط وجماعات المصالح هي المسيرة لشئون البلاد، ولو بمظهر نيابي خداع.



وذهب منظرو الفكر الرأسمالي إلى حرية السوق، وشرعوا قوانين تمنع الاحتكار، ولكن لأن الجانب الأخلاقي والإيماني لم يتم إدراجه أدَّت آليات السوق الحر إلى الاحتكار وسيطرة رأس المال على السياسة والحكم وعلى التشريع والتنفيذ معًا.



وفي الجانب الجنائي ذهب المشرعون إلى تشديد العقوبات واقتراح إجراءاتٍ كثيرة للمراقبة، ومنع الجريمة، ومع تقدُّم وسائل التنصت والمراقبة، ومع شدة العقوبات لم يُفلح شيء من هذا في منع الجريمة؛ لأنه ليس مع القوانين تشريعات تعبدية تجعل الإنسان يخشى الله أولاً فيمنعه إيمانه من ارتكاب الجريمة قبل أن يدفعه فُجره إلى ارتكابها، وتمنعه عقوبة الآخرة إن استطاع الإفلات من عقوبة الدنيا.



ولهذا فإن الشمول في التشريع الإسلامي يجعل كل جانب من جوانب التشريع يعضد الآخر ويكمله، ويقويه فتكون هناك منظومة تشريعية متكاملة تصلح الحياة ويسعد بها الإنسان.



وأسوق بعض الآيات التى ذكرت في القرآن الكريم، والتي تؤكد شمول الإسلام، والتي جمعها الإمام الشهيد حسن البنا في إحدى رسائله:

- عن النظام الداخلي للحكم:

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: من الآية 49).



- ونظام للعلاقات الدولية:

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143).

- ونظام عملي للقضاء:

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء).

- ونظام للدفاع والجندية يحقق مرمى النفير العام:

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (التوبة: من الآية 41).

- ونظام اقتصادي استقلالي للثروة والمال والدولة والأفراد أساسه:

قول الله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: من الآية 5).



- ونظام للثقافة والتعليم يقضي على الجهالة والظلام، ويطابق جلال الوحي في أول آية من كتاب الله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾ (العلق).

- ونظام الأسرة والبيت ينشئ الصبي المسلم والفتاة المسلمة والرجل المسلم، ويحقق قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: من الآية 6).

- ونظام للفرد في سلوكه الخاص يحقق الفلاح المقصود بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾ (الشمس).

- وروح عام يهيمن على كل فردٍ في الأمة من حاكم أو محكوم قوامه قول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ (77)﴾ (القصص).

الآيات السابقة تؤكد شمول المنهج الإسلامي، وأن الإسلام ليس محصورًا في شعائر تعبدية بل هو شعائر وشرائع معًا ودين ودولة.



رابعًا: التداخل بين التشريعات

من الصعب بل من المستحيل أن يتم فصل الدين عن الدنيا أو التشريع عن التنفيذ أو الإيمان عن الحياة في النظام الإسلامي.



لقد جعل الإسلام تشريعاته متداخلة يؤدي بعضها إلى بعض بحيث لا يمكن اجتزاء الدين، ولو حدث لكان الهلاك والضياع؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا..﴾ (طه).






ومن أمثلة لذلك:

الحج: هي شعيرة تعبدية، وهي ركن من أركان الإسلام، ولكن موسم الحج موسم اقتصادي ومؤتمر سياسي، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)﴾ (الحج)، والمنافع هي من أمور الدنيا والطواف من أمور الآخرة.



الزكاة: هي عبادة مالية، ولكنها تحتاج إلى جهاز إداري ونظام محاسبي يحدد ممن تجبي منه ولمن تعطى، وفي هذا يقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: من الآية 103) فجمعها واجب على الحكام ثم إنفاقها له شروطه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)﴾ (التوبة).



- الصلاة: من شروطها استقبال القبلة، ومن أجل ذلك طور المسلمون صناعة البوصلة، وعلى أثرها برع كثير من المسلمين في الكشوف الجغرافية، ومن أجل صلاة الجمعة والجماعة بنى المسلمون المساجد لتقام فيها الصلاة؛ مما جعل المسلمون يبرعون في فنِّ العمارة، وصار هناك معمار إسلامي يتمثل في المآذن لرفع الآذان والقباب لتكرار صدى الصوت حتى يسمع المصلون صوت الإمام والخطيب، وغير ذلك كثير.



والمواريث: فقد اخترع الخوارزمى علم الجبر لتسهيل حساب المواريث بناءً على طلب الخليفة.



وفي الطب: اخترع الأطباء دواء أسموه "المرقد" ليأخذه المرضى الذين سيجرون العمليات الجراحية؛ لأن احتساء الخمر- ولو للعلاج- حرامٌ في الفقه الإسلامي.



والأضحية: هي سنة وشعيرة، ولكنها موسم رواج اقتصادي تروج فيه تجارات عديدة، ورواج صناعي تمد فيه كثير من الصناعات بموادها الأولية كصناعه الجلود والصوف وغيرها.



والأمثلة على هذا التداخل أكثر من أن تحصى، ولكنها كلها تؤكد أن الإسلام دين جاء لإعمار الحياة بقواعد ربانية من سار عليها تحققت له السعادة، ومن نكص عنها كانت له الشقاوة يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112)﴾ (النحل).



خامسًا: الواقعية والمرونة

إن الإسلام جاء ليواكب واقع الناس وبشريتهم؛ فجاءت تشريعاته مواكبة لهذا التصور.. وكلُّ تشريع لا يخاطب واقع الناس فمحكوم عليه بالفشل.



لقد جاءت المسيحية بالرهبنة فخالفت فطرة الإنسان، فكان نتاجها شذوذًا واغتصابًا للأطفال وحالات حمل من سفاح بين الراهبات تدل عليها إحصاءات لا حصر لها.



وجاءت الشيوعية معتبرة الإنسان ترسًا في آلة يعمل للجميع ولا يعود عليه عمله، فخالفت فطرة الإنسان فكان نتاجها سقوطًا مدويًّا وتخلفًا كبيرًا.



واعتبرت قيم الغرب الإنسان حيوانًا ناطقًا، فأطلقت العنان للشهوات دون قيد ورقيب، فكان الانهيار الأخلاقي والمجتمعي.



ولكن الإسلام جاء ليشرع للإنسان تشريعات تخص روحه وجسده، غرائزه وأخلاقه، عواطفه وانفعالاته؛ جاء الإسلام ليخرج كوامن الخير في الإنسان ويضبط نوازع الشر.. جاء الإسلام ليخاطب الإنسان كما خلقه اللطيف الخبير، فكان مصلحًا له وصالحًا في كل زمان ومكان.



ولأنه تشريع كل زمان ومكان، فقد وضع أساس الكليات ولم يتعرض للتفصيلات، وحدَّد الثوابت وترك المتغيرات.



فالكليات في التشريع هي مقاصده، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال والتفصيلات حول كيفية التنفيذ ووسائل التطبيق.



وحدد ثوابت لا تتغير فالصدق فضيلة والكذب رذيلة لا يتغير هذا على مدار الزمن، ومهما تباعدت العصور، والزنا فاحشة وساء سبيلاً؛ يُعاقب فاعله ويُثاب تاركه.



وهناك حدود محددة للعقاب لا تتغير في أي زمن وتحت أي ظرف.



والربا حرام وأساس لكلِّ الأزمات والمشكلات الاقتصادية، وقد ثبت هذا للغرب حديثًا ونادوا- بعد الأزمة المالية العالمية- بجعل الفائدة صفرًا.



وتحريم الربا لا يتغير حسب الظروف والأموال.

وبهذا جاء القرآن، فهناك أحكام في القرآن قطعية الدلالة لا تحتمل تأويلاً ولا تغييرًا، ومنها كما ذكرت تحريم الربا والزنا، وفرضية الحج والصلاة والصوم والزكاة وغيرها، وهناك ألفاظ وآيات في القرآن تحتمل دلالات عديدة، وإشارات عديدة، وهنا دور العلماء في استنباط الأحكام من مدلول الآيات، وفي هذا يقول تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: من الآية 83)، وأولو الأمر هنا هم العلماء؛ والمطلوب منهم أن يستنبطوا الأحكام.



وهناك استنباط شهير حسم به أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيمن تكون الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال للمسلمين- الأنصار والمهاجرين- في سقيفة بني ساعدة"، لقد وصف الله المهاجرين بالصادقين ووصف الأنصار بالمفلحين، وأمر الناس أن يكونوا تبعًا للصادقين، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾ (التوبة)، وبهذا فالأنصار تبع للمهاجرين، وعلى هذا يكون الخليفة من المهاجرين.



إنه استنباط عظيم يحسم خلافًا في أمر سياسي، وهذا يدل على شمول ووظيفة القرآن وفهم الصحابة لهذا القرآن، وهذا الفهم هو الذي دفع أبو بكر الصديق أن يقول: "لو فقدت عقالاً لوجدته في كتاب الله"، فالتشريع الإسلامي- والقرآن والسنة هما عماده- يواكب كل زمان ومكان بثوابت لا تتغير وبقواعد عامة يأخذ كلُّ مجتهد فيها ما يناسب زمانه ومكانه.



سادسًا: الربانية والتعبدية

إن الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية عقيدة يلتزم بها المؤمنون، وليس خيارًا فكريًّا أو اختيارًا سياسيًّا.



إن الإيمان بالله يستوجب طاعته فيما أمر، وإن وظيفة القرآن أن يكون دستورًا يمثل مرجعية الأمة الذي ترجع إليه، يقول تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ﴾ (المائدة: من الآية 49)، ويقول تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ (الأنعام: من الآية 114)، ويبين أن قضية الاحتكام إلى الشريعة عقيدة المؤمنين، فيقول تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء).



إن التعبد بالاحتكام إلى الإسلام وقوانينه هو أحد مكامن القوة فيه، إن الدول التي تمدح بقولنا عنها دولة سيادة القانون، ومعنى سيادة القانون هو نفاذه واحترامه، نفاذه على الكبير والصغير واحترامه من الصغير والكبير، والتعبد بقوانين الإسلام هو الذي يعطيها هذه القوة ويجعلها نافذة.



وليس التعبد بقوانين الإسلام هو الحكم الثيوقراطي، وأن يجتهد الحاكم وينادي برأي يفرضه دون معارضة على أساس أن هذا حكم الشرع والدين.



وهذا ليس في الإسلام لعدة أمور:

أولها: أن الشرع معلوم للجميع- كما ذكرنا في تداول المنهج وحفظ القرآن في بداية الكتاب- وعلى هذا فالحاكم والمحكوم كلاهما مقيد بالشرع- أو القانون- وهذا عين المراد.



ثانيًا: أن العلماء هم المنوطون بتوضيح الأحكام الشرعية، وهم في ظلِّ المنهج الإسلامي لهم استقلاليتهم عن الحكام، وليسوا إفراز الحكام أو حوارييه، والاجتهاد مكفول لكلِّ مَن امتلك أدواته.



ثالثًا: أن هناك دائرة كبرى من أمور الحياة هي محل الاجتهاد البشري، وهي التي ليس فيها نصوص شرعية، وهذه تحكمها الشورى، وما يستقر عليه أهل الشورى فهو ملزم للحاكم؛ لأن الشورى ملزمة على رأي كثير من الفقهاء، وطائفة أهل الحل والعقد، والتي يمثلها في العصور الحديثة المجالس النيابية، هذه الطائفة أوجدها الإسلام منذ بداية الحكم الإسلامي وهي تمثِّل مرجعية الحكام عند سن القوانين.



رابعًا: أن طائفة رجال الدين التي تقنن للحاكم وتزيِّن له الاستبداد لم تحدث على عصر الإسلام، وإنما حدثت في أوروبا في العصور الوسطى، ولم تعرف الأمة الإسلامية علماء ساروا في ركاب الحكام إلا حينما جاءت النظم الاستبدادية إلى البلاد العربية، وأهانت العلماء ووضعتهم في السجون، وقربت إليها المنافقين والناعقين وراء كلِّ مستبد ظالم.



خامسًا: مََن يعترض على المنادين بشرع الله خشية أن يصادر رأيه هو نفسه من يقف صاغرًا أمام توجهات النظام وتوجيهات السيد الرئيس، ويستقبل كل مَن يأتي منهم بالرضا التام بل وبالتعليل والتبرير حتى لو تناقضت المواقف من وقت لآخر.



ما سبق من خصائص المنهج الإسلامي والشرع الرباني الذي استظلت به الأمة الإسلامية 14 قرنًا من الزمان، سادت فيه وكانت الخلافة الإسلامية قوة عظمى، فلم نسمع عن حروب مدمرة أو قوة غاشمة، ولم نر ما نراه الآن من حضارة المتع والشهوات وانتفاش الباطل وعلو الظلم.



إن شعار الإسلام هو الحل ليس مجرد شعار، بل هو منظومة متكاملة من الإصلاح، تبدأ من الفرد والمجتمع وتنتهي بالدولة والنظام، وذلك من خلال منهج رباني كامل متكامل.



الخلاصة:


ما سبق هو المنهج الإسلامي في إعمار الحياة، وإقامة نظام يحقِّق الرفاهية للفرد والمجتمع، ويقيم العدل وينشر الخير.



هذا المنهج الإسلامي متكامل الأركان، فهو يوجد القيادة التي تقود الناس إلى سعادتهم، وفق منهج رباني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي هذا المنهج عوامل وضوابط عديدة تمنع انحراف هؤلاء القادة عن المنهج القويم والطريق المستقيم، كما أن هذا المنهج يبني الأفراد والأسرة والمجتمع بناءً نفسيًّا وإيمانيًّا وأخلاقيًّا وثقافيًّا، وفق أهداف ومقاصد الإسلام؛ ما يؤدِّى إلى توافق الفرد مع الدولة، المجتمع مع النظام.



وهذا النظام الإسلامي له خصائص عديدة من الشمول والكمال والواقعية والمرونة، ما يجعله جديرًا بإصلاح الحياة وتحقيق الرفاهية للفرد والمجتمع.



هذه الأركان مجتمعة؛ المنهج والقيادة والمجتمع، تجتمع معًا وتمتزج لإيجاد دولة تخلو من الخلل ومجتمع يخلو من المشاكل.

----------------

* أستاذ بجامعة الأزهر

المصدر: موقع اخوان اولاين


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

خصائص المنهج الإسلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى دعوتنا ::  :: -